أبي هلال العسكري
131
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وينبغي أن يظهر الناسب الرغبة في الحبّ ، وألّا يظهر التبرّم به ، كأبى صخر حين يقول « 1 » : فيا حبّها زدني جوى كلّ ليلة * ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر وقول الآخر : تشكّى المحبّون الصّبابة ليتني * تحمّلت ما يلقون من بينهم وحدى فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّها * ولم يلقها قبلي محبّ ولا بعدى وينبغي أن يكون في النسيب دليل التدلّه والتحيّر ، كقول الحكم الحضري : تساهم ثوباها ففي الدرع رأدة « 2 » * وفي المرط لفّاوان ردفهما عبل فو اللّه ما أدرى أزيدت ملاحة * وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل وقيل لبعضهم : ما بلغ من حبّك لفلانة ؟ فقال : إني أرى الشمس على حيطانها أحسن منها على حيطان جيرانها . ولما كانت أغراض الشعراء كثيرة ، ومعانيهم متشعّبة جمّة ، لا يبلغها الإحصاء كان من الوجه أن نذكر ما هو أكثر استعمالا ، وأطول مدارسة له ، وهو المدح ، والهجاء ، والوصف ، والنسيب ، والمراثى ، والفخر ؛ وقد ذكرت قبل هذا المديح والهجاء وما ينبغي استعماله فيهما ؛ ثم ذكرت الآن الوصف والنسيب ، وتركت المراثى والفخر ؛ لأنهما داخلان في المديح . وذلك أنّ الفخر هو مدحك نفسك بالطّهارة ، والعفاف ، والحلم ، والعلم ، والحسب ، وما يجرى مجرى ذلك . والمرثية مديح الميّت ، والفرق بينهما وبين المديح أن تقول : كان كذا وكذا ، وتقول في المديح : هو كذا وأنت كذا . فينبغي أن تتوخّى في المرثية ما تتوخّى في المديح ، إلا أنك إذا أردت أن تذكر الميت بالجود والشجاعة تقول : مات الجود ، وهلكت الشّجاعة ؛ ولا تقول : كان فلانا جوادا وشجاعا ؛ فإنّ ذلك بارد غير مستحسن ، وما كان الميت يكدّه في حياته فينبغي ألّا يذكر أنه يبكى عليه مثل
--> ( 1 ) العمدة : 2 - 115 . ( 2 ) الرأدة : الناعمة .